مُختارٌ في سبيل الكلّ

+ مُختارٌ في سبيل الكلّ



مُختارٌ في سبيل الكلّ

شعب الله المختار


أولى إشارات الاختيار الإلهيّ تظهر في رواية قايّن وهابيل (سفر التكوين، الفصل 4) حيث ينظر الله إلى تقدمة هابيل، وأمّا إلى تقدمة قاين فلا ينظر... سنعود إلى هذا المشهد الغريب في المحطّة الثانية، أمّا الآن فسنكتفي بالإشارة إلى أنّ الفصول 1 إلى 11 من سفر التكوين تروي بطرقٍ مختلفة كيف أنّ مسعى الله في خلقه كان متّجهًا إلى البركة ولكنّ مساعي البشر قادت إلى اللعنة: "ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت، لأنّ كلّ بشر قد أفسد طريقه عليها" (تكوين 6: 12)، ثمّ يأتي الفصل 12 من سفر التكوين وفيه نجد بداية فكرة الاختيار الّتي ستُرافق شعب إسرائيل طوال تاريخه من حيث هو شعبٌ  مختارٌ، من خلال دعوة إبراهيم:


"وقالَ الرَّبُّ لأَبْرام: اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ. وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ اسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة. وأُبارِكُ مُبارِكيكَ، وأَلعَنُ لاعِنيكَ وَيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض" (تكوين 12: 1- 3).

في هذه الآيات نجد ملخّص منطق الاختيار كلّه: فالاختيار مجّانيّ (لا فضل لإبراهيم سابق على دعوة الله له)، ولكنّه يتطلّب الإيمان، أي الثّقة بكلمة الله (كلّ حياة إبراهيم تقوم على الثقة والإيمان، وهنا، في بداية مسيرته، يترك المعروف – أي أرضه وعشيرته وبيت أبيه – في سبيل المجهول: "الأرض الّتي أريك")، وهذا الاختيار هو في سبيل الكلّ ("تكون بركة"، "يتبارك بك جميع عشائر الأرض") ولكنّه يتطلّب صراعًا مزدوجًا ("ألعن لاعنيك" تشير إلى أنّ المختار يعاني من رفض الناس، لكنّ الله يكون معه، وهذا يتطلّب ثقة بالله، فالصراع المزدوج هو مع الناس ومع الله لأنّ المختار يسأل دومًا: هل الله معي أم لا؟ كما في خروج 17: 7).

خُلاصة هذه المرحلة: جواب الله على رفض الإنسان البركة الّتي يريد الربّ أن يباركه بها، هو أن يختار شخصًا (إبراهيم) ليقيم معه عهدًا يقبل بموجبه إبراهيم بركة الربّ مع ما تحمله من صراعات بسبب رفض الإنسان هذه البركة، ويصير المختار حاملاً البركة إلى الجميع، فالمختار هو مختار في سبيل الكلّ.