توافق التوحيد مع التثليث

spacing

 

 

توافق التوحيد مع التثليث

توافق التوحيد مع التثليث
توافق التوحيد مع التثليث


نرى من الواجب، ونحن في فاتحة هذا الكتاب، أن ننبّر على أننا نحن المسيحيين، نؤمن أن لا إله إلا اللّه، وأنه لا تركيب فيه على الإطلاق. فقد قال: «أَنَا لأَّوَلُ وَأَنَا لآخِرُ وَلا إِلَهَ غَيْرِي» (إشعياء 44: 6)، وقال أيضاً: «أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي» (تثنية 32: 39)، وقال للذين اتخذوا غيره إلهاً «أَلَيْسَ أَنَا لرَّبُّ وَلا إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ» (إشعياء 45: 21). ولذلك خاطبه نحميا النبي بالقول: «أَنْتَ هُوَ لرَّبُّ وَحْدَكَ» (نحميا 9: 6). وقال موسى النبي: « لرَّبَّ هُوَ لإِل هُ فِي لسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى لأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. لَيْسَ سِوَاهُ» (تثنية 4: 39) وقال أيضاً: « لرَّبُّ إِل هُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية 6: 4) وقال بولس الرسول: «يُوجَدُ إِل هٌ وَاحِدٌ» (1تيموثاوس 2: 5) وقال يعقوب الرسول: « للّ هَ وَاحِدٌ» (يعقوب 2: 19). أما عن حقيقة عدم وجود تركيب في اللّه، فإن كل الكتاب المقدس لم ينبّر عليها كما نبّر على حقيقة وحدانيته، وذلك لعدم ظهور خلاف بين الناس من جهتها. إلا أنه وردت به آيات تدل بوضوح على أن اللّه لا تركيب فيه، فقد قال إن «اَللّ هُ رُوحٌ» (يوحنا 4: 24)، وإنه «غَيْرِ لْمَنْظُورِ» (كولوسي 1: 15) وإنه لا يتحيز بحيّز (مزمور 139: 8-12). وهذه الصفات تدل على أنه غير مركب، لأن المركّب متحيّز بحيّز، ومن الممكن أن يُدرَك أو يُرى، إذ أنه محدود بحدود الأجزاء المركب منها - هذا وقد أجمعت كل الكتب الدينية على اختلاف مذاهب كتّابها، على أنه «روح سرمدي، غير مركب، أو محدود، أو متغيّر».


وحقيقتا وحدانية اللّه وعدم وجود تركيب فيه، لا تتعارضان مع حقيقة كونه ثلاثة أقانيم، بل تتوافقان معها كل التوافق.



وحدانية الله ونوعها

كلنا يعلم أن اللّه يتصف بصفات وإن كنا لا نستطيع الإلمام بها، لأنّ اللّه يفوق العقل والإدراك. فالله يتصف مثلاً بالسّمع والبصر، والكلام والعلم، والإرادة والمحبة، لأنه ذات عاقلة لها علاقة مع غيرها من الكائنات، مثل البشر والملائكة. والذات العاقلة التي لها علاقة مع غيرها تتصف بهذه الصفات، بأي وجه من الوجوه. ومما لا شك فيه أيضاً أنّ هذه الصّفات لم تكن عاطلة في اللّه أزلاً ثم صارت عاملة عندما قام بخلق الملائكة والبشر وغيرهم من الكائنات، بل إنّها كانت عاملة فيه من تلقاء ذاتها أزلاً (أي دون وجود مؤثر، خارج عن ذاته) وذلك قبل وجود أحد منهم، لأنه لو كان الأمر غير ذلك، لكان اللّه تعرض للتغيُّر، إذ يكون قد صار عاملاً، بعد أن كان غير عامل، والحال أنه لا يتغير على الإطلاق.

ولو كان الأمر غير ذلك لكانت هذه الكائنات ضرورة لازمة لجأ إليها اللّه لكي يُظهر صفاته ويُعلن ذاته، والحال أنه تعالى لكماله التام، ظاهر في صفاته كل الظهور، ومُعلَن في ذاته كل الإعلان، بصرف النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها.
وبما أن اللّه يتصف بهذه الصفات التي كانت عاملة فيه من تلقاء ذاتها أزلاً، قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه، إذن لا شك في أنه كان يمارسها حينذاك بينه وبين ذاته وحدها. هذا من وجهة، ومن وجهة أخرى بما أن ممارسة هذه الصفات لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بين كائنين عاقلين على الأقل، أو بين كائن عاقل وذاته، إن كان مركباً. وبما أن اللّه مع وحدانيته وتفرُّده بالأزلية وعدم وجود تركيب فيه، كان يمارس هذه الصفات بينه وبين ذاته أزلاً كما ذكرنا، فمن المؤكد إذن أن تكون وحدانيته، مع عدم وجود تركيب فيها، ليست وحدانية مجردة أو وحدانية مطلقة، بل وحدانية من نوع آخر لا نظير له في الوجود، لأن كل شيء في الوجود، حتى الذرة، مكوَّن من أجزاء.
و «الوحدانية المجردة» هي الوحدانية التي لا تتصف بصفة، وإسنادها إلى اللّه معناه (كما يُستنتج من آراء القائلين بها) أن اللّه لا يتصف بصفة، أو بالحري أنه ليس ذاتاً، أو موجوداً له كيان حقيقي، لأن لكل موجود حقيقي صفة، على أي نحو من الأنحاء.
أما «الوحدانية المطلقة» فهي الوحدانية التي لا حدَّ لها، وإسنادها إلى اللّه معناه (كما يُستنتج من آراء القائلين بها) أنه ذاتٌ يتصف بالصفات السلبية (كعدم الإرغام وعدم الجهل)، أو يتصف بالصفات الإيجابية (كالإرادة والعلم). ولكن هذه الصفات لم يكن لها مجال للظهور أو العمل، إلا عند قيامه بالخلق، أي أن صفاته تعالى كانت بالقوة أزلاً، ثم صارت بالفعل عندما خلق.
وإن كان لا بدّ من إطلاق اسم على وحدانية اللّه، فمن الممكن أن تُسمَّى «الوحدانية الشاملة المانعة» أو «الوحدانية الجامعة المانعة» أي الشاملة أو الجامعة لكل ما هو لازم لوجود صفات اللّه بالفعل، بصرف النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها. لأنه بذلك يكون منذ الأزل الذي لا بدء له، عالماً ومعلوماً، وعاقلاً ومعقولاً، ومُريداً ومراداً، وناظراً ومنظوراً، وسميعاً وكليماً، ومُحباً ومحبوباً، دون أن يكون هناك تركيب في ذاته أو شريك معه، الأمر الذي يتوافق كل التوافق مع كماله، واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود.
ونحن وإن كنا لا نبني أسانيدنا في هذا الكتاب على أقوال الفلاسفة والعلماء، لكن استيفاءً للبحث نقول إن كثيراً منهم، في كل دين من الأديان، قد ذهب إلى أن اللّه جامع. فمن بين اليونان، قال أفلاطون: «اللّه جامع لكل المحامد»، وقال أرسطو: «اللّه هو الكل، فهو العقل والعاقل والمعقول». ومن بين اليهود قال فيلون: «اللّه لا يتصل بالعالم مباشرة، بل بواسطة كلمته». وقال سيمون بن يوشي: «كلمة إلوهيم (أي اللّه) تدل على أنه تعالى جامع». ومن بين المسيحيين، قال بوهمي: «لا بد أن يكون اللّه منطوياً على كثرة، هي الينبوع الخفي للحياة الكلية، إذ كيف يمكن تفسير الكثرة الموجودة في العالم بالوحدة المطلقة، وليس في الوحدة المطلقة شيء تريده، ما دامت وحدة مطلقة»، وقال فيكتور كوزان: «الحقائق المطلقة التي نجدها في عقلنا تتطلب وجود عقل مطلق، ولما كان عاقلاً، كان وجداناً، والوجدان يتضمن التنوُّع». وقال سانتلا: «كيف يتصور صدور الكثرة من الأحدية البسيطة المتعالية عن كل كثرة! إن الأمر لا يخلو أن يكون أحد حالين: إما أن يُقال إن الكثرة كانت مكنونة في ذات الأول المحض، كما قال بعض الصوفيين إنها كالشجرة في النواة. وإما أن يُقال إن الكثرة لم يكن لها أثر أو رسم في ذات اللّه. وكيف يُتصوَّر حينئذ أن يكون علة للكثرة!». فبناء على رأيه، يجب التسليم بوجود كثرة في اللّه، أو بتعبير أدقّ بوجود إله جامع أو شامل. ومن بين فلاسفة المسلمين وعلمائهم، قال صاحب التحقيق: «أرى الكثرة في الواحد، وإن اختلفت حقائقها وكثرت، فإنها عين واحدة، فهذه كثرة معقولة في ذات العين»، وقال ابن العربي: «إذا اعتُبر الحق ذاتاً وصفات، كان كلاً في وحدة». وقال غيره: «لكن من غلبت عليه الوحدة من كل وجه، كان على خطر. فالقلوب به هائمة والعقول فيه حائرة، وبذلك ظهرت عظمته سبحانه وتعالى». (عن كتب: مشكلة الألوهية، والفلسفة الإغريقية، وتاريخ الفلسفة اليونانية، وعلم الطبيعة، والفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، وتاريخ الفلسفة الحديثة، وفلسفة المحدثين والمعاصرين، والمدخل إلى الفلسفة، وفصوص الحكم لابن العربي، وتحفة المريد على جوهرة التوحيد، وحاشية الأمير على الجوهرة).

توافق الوحدانية الجامعة مع وحدانية اللّهوهنا يتساءل البعض: كيف تكون وحدانية اللّه محض لا تركيب فيها على الإطلاق، وفي الوقت نفسه يكون اللّه شاملاً أو جامعاً؟
والجواب: لو أن أساس الجامعية والشمول في اللّه، يختلف عن أساس هذه الوحدانية فيه، لا يكون هناك مجال للاعتراض على الإطلاق. ولإيضاح ذلك نقول: إذا وُصف الإنسان مثلاً بأنه واحد وثلاثة، فإن هذا الوصف يبدو لأول وهلة متعارضاً مع الحقيقة المعروفة لدينا، لأنه لا يمكن أن يكون شخص ما واحداً وثلاثة. لكن إذا تبيَّن لنا أنه يقصد بهذا الوصف أن الإنسان واحد من جهة المظهر، وثلاثة من جهة الجوهر، فإن الشك في صحة هذا الوصف يزول من أمامنا، لأننا نعلم أن الإنسان واحد في مظهره، وفي الوقت نفسه هو في جوهره مكوَّن من ثلاثة عناصر متكاملة: هي الجسد والنفس والروح.
وعلى هذا القياس، مع مراعاة الفارق الذي لا حدَّ له بين الوحدانية الإلهية والوحدانية البشرية، لأن الأولى غير مركبة وغير محددة، أما الثانية فمركبة ومحدودة، نقول: بما أن اللّه جوهر، لأن القائم بذاته جوهر، و «الجوهر» ليس هو المادة، كما يتبادر إلى ذهن بعض الناس، بل هو ما ليس في موضوع، أو بتعبير آخر هو القائم بذاته. وليس هناك غبار على القول «إن اللّه جوهر». وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الفلاسفة. فقال ديكارت مثلاً «اللّه هو الجوهر الحقيقي» (المدخل إلى الفلسفة ص 177).
وبما أن هذا الجوهر، وإن كان لا متناهياً إلا أن له تعيُّناً خاصاً به، إذن يكون اللّه واحداً من جهة، وجامعاً أو شاملاً من جهة أخرى، دون أن يكون هناك أي تعارض أو تناقض في ذاته.
و «التعين» هو الوجود الواقعي الذي يتميز بمميزات تدل على أن له مثل هذا الوجود. ولا يُشترط فيه أن يكون محدوداً أو مجسَّماً، بل أن يكون فقط موجوداً وجوداً حقيقياً. ولذلك فلكل موجود تعيُّن بأي وجه من الوجوه، وليس بلا تعيُّن إلا غير الموجود.
فمن أي وجهٍ يكون واحداً، ومن أي جهةٍ يكون جامعاً؟
الجواب: لا شك في أنه يكون واحداً من جهة الجوهر، لأنه إن لم يكن واحداً من هذه الجهة، كان مركباً وقابلاً للتجزئة. والحال أنه ليس مركباً أو قابلاً للتجزئة. ويكون جامعاً من جهة التعيُّن، لأن وجود صفاته بالفعل منذ الأزل الذي لا بدء له، يدل بوضوح على أنه جامع من هذه الجهة. وجوهر اللّه الذي لا تركيب فيه، والجامع في تعيُّنه لكل ما هو لازم لكماله، واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود، ليس طبعاً سوى عين ذاته، لأنه لا تركيب فيه كما قلنا.
وإننا بقولنا سالف الذكر، لا نفرّق مطلقاً بين جوهر اللّه وتعيُّنه، بل نقصد فقط أن اللّه ليس جوهراً مبهماً أو غير معيَّن، بل إنه جوهر واضح أو معيّن - لأن التعين هو من مستلزمات كل موجود حقيقي، كما قلنا. فجوهر اللّه ما هو إلا اللاهوت. وهذا الجوهر نفسه بالنظر إلى تعيُّنه ما هو إلا اللّه. واللّه ليس شيئاً غير اللاهوت، بل هو اللاهوت معيّناً. واللاهوت ليس شيئاً غير اللّه، بل هو اللّه جوهراً. ولذلك كثيراً ما تُستعمل كلمة «اللاهوت» بدلاً من كلمة «اللّه»، وكلمة «اللّه» بدلاً من كلمة «اللاهوت»، كما يتضح بكثرة في الأبواب التالية. وقد عبَّر ابن العربي في كتابه «فصوص الحكم»، عن «اللاهوت» بـ «الباطن»، وعن اللّه بـ «الظاهر»، ثم أعلن أنهما واحد. فقال عن اللّه «هو الظاهر وهو الباطن، وهو عين ما ظهر وعين ما بطن». كما أعلن ما يُستنتج منه أن الكثرة ليست في جوهر اللّه أو هُويته، بل هي في تعيُّنه أو ظاهريته، فقال: «لا كثرة في هُوية ذات الحق. وكل كثرة واختلاط (أو علاقات) فهو بعد ذاته وظاهريته». واصطلاح «الظاهر والباطن» اقتبسه ابن العربي من القرآن، فقد ورد في (سورة الحديد 57: 3) عن اللّه «هُوَ لأَّوَلُ وَ لآخِرُ وَ لظَّاهِرُ وَ لْبَاطِنُ».
مما تقدم يتضح لنا ما يأتي:
بما أنه لا يُراد بوحدانية اللّه الجامعة، أنه واحد في تعيُّنه وجامع أيضاً في تعيُّنه، بل بالعكس يُراد بها أنه واحد في جوهره وجامعٌ في تعيُّنه، إذن ليس هناك أي تناقض في القول إن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة.
ويتفق معنا في ذلك بعض علماء المسلمين. فمثلاً قال صاحب المواقف: «لا يجوز اجتماع الوحدة مع الكثرة في شيء واحد من جهة واحدة» (المواقف ص 342)، ومعنى ذلك أنه يجوز اجتماعهما معاً في شيء واحد من جهتين.
بما أنه لا يُراد بوحدانية اللّه الجامعة، أنه جامع في جوهره وواحد في تعينه، بل بالعكس يُراد بها أنه واحد في جوهره وجامع في تعينه، إذن لا سبيل للظن بأنها تنمّ عن وجود أي تركيب في ذاته.
وبما أنه لا يُراد بجامعية تعيّنه، ذاته وغيرها من الذوات، بل يُراد بها ذاته وحدها، إذن لا سبيل للظن بأن هذه الوحدانية تنم عن وجود أي شريك له.
وبذلك فإن وحدانية اللّه الجامعة، لا تتعارض مع وحدانيته، أو عدم وجود تركيب فيه، أو عدم وجود شريك له، بل تتوافق مع هذه الحقائق كل التوافق.

ماهية الجامعية في الوحدانية الإلهية


يعتقد بعض الفلاسفة الذين أدركوا أن وحدانية اللّه وحدانية جامعة أو شاملة، أن هذه الجامعية أو الشمول هي ذاته وصفاته. لكن هذا الاعتقاد لا يتفق مع الخصائص اللائقة باللّه، لأننا لو فرضنا أن جامعية اللّه أو شموله هي ذاته وصفاته. وصفاته كما مرَّ بنا كانت بالفعل أزلاً، فإنه يترتب على ذلك أن اللّه كان في الأزل يكلم صفاته ويسمعها، ويبصرها ويحبها، ويريدها ويعلمها. أو أن صفاته كانت تكلمه وتسمعه، وتبصره وتحبه، وتريده وتعلمه. أو أنها كان يكلم بعضها بعضاً، ويسمع بعضها بعضاً، ويبصر بعضها بعضاً، ويحب بعضها بعضاً، ويريد بعضها بعضاً، ويعلم بعضها بعضاً أزلاً. وكل ذلك باطل. لأن اللّه لا يتعامل مع الصفات، ولا الصفات تتعامل مع اللّه، أو مع بعضها البعض، لأن التعامل لا يكون إلا بين التعيّنات العاقلة، والصفات معان وليست تعيّنات. والمقصود «بالمعاني» في قولنا هذا ما ليس له وجود واقعي، بل ما وجوده في الذهن فحسب.
ولذلك فجامعية اللّه لا يمكن أن تكون هي ذاته وصفاته، بأي وجه من الوجوه. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي جامعيته إذن؟
الجواب: إنها كما ذكرنا في الفصل الأول، هي ذاته عينها. فذاته مع وحدانيتها، وعدم وجود تركيب فيها، هي بنفسها جامعة، أو بتعبير آخر إنها ليست تعيناً واحداً بل تعيّنات.
وطبعاً ليس معنى ذلك أن اللّه قائم بآلهة مشابهة له. كلا، لأن اللّه لا شريك له ولا نظير. وليس معناه أنه ذات في ذوات، أو ذوات في ذات. كلا، لأنه ذات واحدة لا تركيب فيها على الإطلاق. بل معناه أن ذاته الواحدة التي لا تركيب فيها هي بعينها تعينات.
وبما أن ذات اللّه تعيّنات، إذن فمن البديهي أن يكون كل تعيُّن من هذه التعيّنات، ليس جزءاً من ذات اللّه، بل أن يكون هو ذات اللّه، لأنه غير مركّب من عناصر أو أجزاء. وأن يكون ذات اللّه نفسها، بكل خصائصها وصفاتها (لأن تعيّن اللّه هو عين جوهره، كما ذكرنا فيما سلف)، ولذلك يكون كل تعين من هذه التعينات هو اللّه الأزلي الأبدي، العالم المريد، القدير البصير، السميع الكليم، الذي لا يتغير أو يتطوّر على الإطلاق. لأنه بذلك، وبذلك وحده، يكون منذ الأزل الذي لا بدء له، كاملاً كل الكمال، ومستغنياً بذاته كل الاستغناء، إذ يكون، كما ذكرنا في الفصل الأول، عالماً ومعلوماً، وعاقلاً ومعقولاً، ومريداً ومراداً، وناظراً ومنظوراً، وسميعاً وكليماً، ومحباً ومحبوباً، إلى درجة الكمال الذي ليس بعده كمال، دون أن يكون هناك شريك في ذاته أو شريك معه.

الأقانيم


اصطلح معظم فلاسفة المسيحيين في الأجيال الأولى، على تسمية هذه التعيُّنات بالأقانيم، والمفرد «أقنوم». و «الأقنوم» كلمة سريانية يطلقها السريان على كل من يتميز عن سواه، على شرط ألا يكون مما شُخِّص أوْ لَهُ ظل (A Compendious Syriac Dictionary, pp.509-10 وسلك الفصول ص 88-90). ولذلك فإن المراد بكلمة «الأقنوم» هو نفس المراد بكلمة «التعيُّن». وكلمة أقانيم تختلف كل الاختلاف عن كلمة «أشخاص» المستعملة في اللغة العربية والكلمات المقابلة لها في اللغات الأخرى، من ناحيتين رئيسيتين (أ) فالمراد بالأشخاص، هم الذوات المنفصل أحدهم عن الآخر. أما المراد بـ «الأقانيم» فذات واحدة هي ذات اللّه الذي لا شريك له ولا نظير. (ب) إن الأشخاص وإن كانوا يشتركون في الطبيعة الواحدة، إلا أنه ليس لأحدهم ذات خصائص أو صفات أو مميزات الآخر. أما الأقانيم فمع تميُّز أحدهم عن الآخر في الأقنومية، هم واحد في الجوهر بكل خصائصه وصفاته ومميزاته، لأنهم ذات اللّه الواحد.
فالأقانيم ليسوا إذن كائنات في اللّه، أو كائنات مع اللّه، بل هم ذات اللّه، لأنهم تعيّنات اللاهوت، أو بتعبير أدق «تعيُّن اللاهوت الخاص». أو اللاهوت معيّناً. وتعيُّن اللاهوت أو اللاهوت معيّناً، هو ذات اللّه. وهم تعيُّن اللاهوت أو ذاته معيّنة، لأنهم هم اللاهوت معلناً في ذاته وصفاته. ولذلك كان اللاهوت، بتعيّنه أو أقانيمه، ليس هو اللّه المبهم الغامض، كما يتصوره بعض الناس، بل اللّه المعيّن الواضح، الذي نستطيع إدراكه والرجوع إليه، فنجد فيه مقصدنا، الذي تسكن إليه نفوسنا وتطمئن إليه قلوبنا.
أما عدد الأقانيم، فهو طبعاً أول عدد لا يمكن لأقل منه أن تتوافر فيه خصائص الوحدانية الجامعة المانعة، وهذا العدد هو «3». ويتفق معنا كثير من الفلاسفة على ذلك، فمثلاً قال ابن العربي: «أول الأعداد الفردية هو الثلاثة لا الواحد، لأن الواحد ليس بعدد، بل هو أصل الأعداد» (فصوص الحكم ص 130).
وهناك اعتقاد عام عند البشر أن العدد «3» هو أول عدد كامل، ففي أمثالهم يقولون «ٱلْخَيْطُ ٱلْمَثْلُوثُ لا يَنْقَطِعُ» (جامعة 4: 12)، و «كل شيء بالثالث يكمل»، و «المرَّة الثالثة ثابتة». وفي قانون العقوبات يُعتبر المجرم عائداً يستحق عقوبة الجناية بدلاً من عقوبة الجنحة، إذا ارتكب مخالفة ثلاث مرات (المادة 49 من قانون العقوبات). وفي الرياضيات، أول شكل هو الذي له ثلاثة أضلاع، وأول حجم هو الذي له ثلاثة أبعاد. وفي الطبيعة، كل نبات راقٍ مكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل حيوان راقٍ مكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل إنسان مكون من ثلاثة عناصر رئيسيّة. والذرَّة نفسها مكّونة من ثلاثة أجزاء رئيسيّة وهكذا.. وليس هذا الاعتقاد موجوداً فقط في اصطلاحات الناس وعلومهم، بل إنه موجود أيضاً في كل دين من الأديان. ففي الإسلام يُعتبر العدد «3» في كثير من الأحوال أول عدد كامل، فاسم المولى يذكر أثناء كل ركعة ثلاث مرات، ويقوم المصلي بالمضمضة ثلاث مرات، والاستنشاق ثلاث مرات، وغسل الوجه ثلاث مرات، والقسَم لا يكون نافذاً إلا إذا كان باللّه ثلاثاً، والطلاق لا يكون قانونياً إلا إذا كان الإشهار به ثلاثاً. وفي اليهودية والمسيحية يُعتبر هذا العدد أول عدد كامل (إقرأ مثلاً 2 صموئيل 24: 12، دانيال 1: 5، خروج 23: 14، ودانيال 6: 10، وتكوين 15: 9، وإشعياء 15: 5، وأستير 5: 1، ولوقا 13: 7، وأعمال 10: 16، و 2 كورنثوس 12: 8). وطبعاً ليس الغرض من هذه الاقتباسات هو الاستدلال بها على أن أقانيم اللاهوت أو تعيناته لا بدّ أن يكونوا ثلاثة. كلا! لأن اللّه أسمى من أن يُقاس بالنسبة الى أي شيء من الأشياء، بل الغرض منها هو الاستدلال بها على أنه لو أعلن لنا الوحي أن الأقانيم ثلاثة، لما جاز لعقولنا أن تعترض على الإطلاق، لأن هذه الحقيقة تكون متفقة مع الواقع المعروف لدينا. ونظراً لأننا سنبحث موضوع عدد الأقانيم بالتفصيل في هذا الكتاب، لذلك نكتفي بهذه الملاحظة.
أمام القول أن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، لا يجد العقل مجالاً للاعتراض. وإن اعترض بشيء، فلا يمكن أن يقول سوى إن هذا الموضوع يسمو فوق إدراكه. ونحن من جانبنا نوافقه على ذلك كل الموافقة، لأن اللّه عجيب في ذاته ولا يمكن الإحاطة به إطلاقاً. ومع كلٍ، فإنه وإن كان يسمو فوق العقل، إلا أنه ليس ضد العقل، لأننا يجب أن نؤمن: إما بأن وحدانية اللّه هي وحدانية مجرَّدة، نفينا عنه الذات والصفات، والحال أنه ذات وله صفات. وإن قلنا إنها مطلقة، افترضنا اتّصافه بصفات لا علة له أو عمل أزلاً، وأسندنا أيضاً إليه التغيّر والتطوّر بدخوله في علاقة مع الكائنات التي خلقها، وكل ذلك باطل. ولذلك فمن المؤكد أن تكون وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، أو بتعبير آخر متميّزة بأقانيم أو بتعيّنات (أو سمِّها ما شئت، إذ لا قيمة للفظ بجانب سلامة المعنى)، لأن هذه الأقانيم أو التعيّنات هي الخصائص الأصلية الذاتية لوحدانية اللّه المحض، ولذلك كان اللّه مع لا نهائيته وتفرُّده بالأزلية، وعدم وجود أي تركيب فيه، ليس الإله المجرّد من الصفات، أو الإله الذي يتَّصف بصفات لم يكن لها عمل أزلاً، بل الإله المتَّصف بكل صفات الكمال، والذي كانت كل صفاته بالفعل، منذ الأزل الذي لا بدء له، إلى الأبد الذي لا نهاية له، الأمر الذي يتوافق مع كماله التام، واستغنائه عن كل شيء في الوجود، وعدم تعرضه للتطور والتغير، بأي وجه من الوجوه.
ومن هذا نرى أن هناك فرقاً كبيراً بين الأمور التي تسمو فوق العقل، وتلك التي لا تتفق معه. فالأولى هي التي تتفق معه في أساسها، لكن لسموها لا نستطيع الإحاطة بكنهها. أما الثانية فإنها لا تتفق معه إطلاقاً، لا في أساسها ولا في كنهها. فمثلاً إذا قلنا إن اللّه يحب الأشرار، فإن هذا القول لا يكون ضد العقل، بل يكون أسمى من إدراكه، لأن الأشرار وإن كانوا حسب عقولنا، لا يستحقون محبة أو عطفاً من اللّه، إلا أنه لكماله التام لا يمكن أن يكرههم، لأنه سبق وخلقهم على صورته كشبَهه. ولذلك فمن البديهي أنه يحبهم، ويهيء لهم سبيل الرجوع إليه والتوافق معه. أما إذا قلنا إن اللّه يحب الشر، فإن هذا القول لا يكون أسمى من إدراك العقل، بل يكون ضده، لأن الشر لا يتوافق مع قداسة اللّه بأي حالٍ من الأحوال.


أسماء الأقانيم وعددهم ووحدتهم

قال موسى النبي سنة 1500 ق.م عن بدء الخليقة: «فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللّٰهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ. وَكَانَتِ ٱلأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ ٱلْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ ٱللّٰهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ» (تكوين 1: 1، 2). فمن هاتين الآيتين، يتضح لنا أن اثنين قد اشتركا في القيام بالخلق، هما «اللّه» و «روح اللّه»، فالأول خلق السموات والأرض، والثاني كان يرف على وجه المياه، ليبعث الحياة فيها. و «روح اللّه» وإن كان يبدو أنه غير اللّه، إلا أنه في الواقع ليس سوى اللّه في جوهره، وذلك لسببين (أ) إن اللّه لا تركيب فيه (ب) إن اللّه هو وحده خالق السموات والأرض، وباعث الحياة في كل الكائنات.
وقال داود النبي سنة 1000 ق.م: «بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ صُنِعَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ» (مزمور 33: 6)، وقال في موضع آخر مخاطباً المولى: «تُرْسِلُ رُوحَكَ فَتُخْلَقُ» (مزمور 104: 30) - ومن هاتين الآيتين يتضح أن اثنين قاما بالخلق: هما «كلمة الرب» و «روح الرب». و «كلمة الرب» بمعنى علم الرب وقوته. وإن كانت تبدو أنها غير «روح الرب» إلا أنهما في الواقع ليسا سوى الرب في جوهره، وذلك لسببين (أ) إن الرب لا تركيب فيه (ب) إنه وحده هو خالق السموات والأرض.
وخاطب أجور، أحد حكماء إسرائيل الأتقياء صديقاً له سنة 1950 ق.م، قائلاً له بالوحي: «مَن ثَبَّتَ جَمِيعَ أَطْرَافِ ٱلأَرْضِ؟ مَا ٱسْمُهُ وَمَا ٱسْمُ ٱبْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ؟» (أمثال 30: 4).

وقد كانت هذه الآية موضع جدال بين علماء اليهود زمناً طويلاً، لكنهم انتهوا بعد دراسة التوراة دراسة دقيقة، إلى أنه يقصد بهذا «الابن»، المسيّا أو المسيح. ومعنى «الابن» هنا، ليس هو المعنى الحرفي، بل المعنى الروحي الذي يتوافق مع روحانية اللّه وخصائصه الأخرى، كما سيتضح بالتفصيل في الباب الثالث.
ومن قول أجور هذا في أمثال 30: 4 يتضح لنا أن اللّه (أو بالحري اللاهوت) ليس مجرداً، بل متميز بـ «ابن». و «ابن اللّه»، وإن كان يبدو أنه غير اللّه، إلا أنه ليس سوى اللّه في جوهره، إذ أنه هو «كلمة اللّه» أو «المعلِن للّه» كما سيتبين بالتفصيل في البابين التاليين.
وقال على لسان إشعياء النبي سنة 700 ق.م، كما ذكرنا فيما سلف «أَنَا ٱلأَّوَلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ.. وٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ» (إشعياء 48: 12-16). ومن هذه الآية يتضح أيضاً أن «الأول والآخِر»، قد أُرسل بواسطة اثنين، هما «السيد الرب» و «روحه». والأول والآخِر، والسيد الرب، وروح الرب. وإن كان يبدو أن أحدهم غير الآخر، إلا أنهم في الواقع كائن واحد، هو «الرب».
مما تقدم يتضح لنا أن التوراة لا تعلن فقط أن جامعية اللّه هي أقانيم، كما ذكرنا في الفصل السابق، بل تعلن أيضاً أن هؤلاء الأقانيم هم ثلاثة: إذ أن «الكلمة» و «الابن» هما واحد، و «الرب» و «السيد الرب» هما واحد، والثالث هو المسمَّى «الروح» أو «روح الرب». والأقانيم ليسوا كائنات غير اللّه أو كائنات معه، بل هم عين ذاته كما ذكرنا.

وحدانية الأقانيم في اللاهوت بكل خصائصه وصفاته


تبين لنا أن الأقانيم هم ذات اللّه الواحد لأنهم تعيُّن اللاهوت، واللاهوت واحد ووحيد ولا ينقسم أو يتجزأ على الإطلاق. ولما كان البعض يظن أن هذه الحقيقة تتعارض مع بعض الآيات الكتابية، رأينا من الواجب أن نبيّن في هذا الفصل أن وحدانية الأقانيم في اللاهوت، بكل خصائصه وصفاته، هي حقيقة كتابية قبل أن تكون حقيقة فلسفية أو منطقية. وفيما يلي بعض الآيات التي تدل على ذلك:

وحدانية الأقانيم في اللاهوت: قال الوحي عن الآب إنه «اللّه» أبونا (2 تسالونيكي 2: 16)، وعن الابن إنه «اللّه» الذي يظل كرسيه إلى دهر الدهور (مزمور 45: 6، 7)، وعن الروح القدس أيضاً إنه «اللّه» (أعمال 5: 3-5).
وحدانيتهم في الربوبية: قال الوحي عن الآب إنه «رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ» (متى 11: 25)، وعن الابن إنه «رَبُّ ٱلْكُلِّ» (أعمال 10: 36)، وعن الروح القدس أيضاً إنه هو «الرب» (2كورنثوس 3: 17).
وحدانيتهم في الأزلية والأبدية: قال الوحي عن الآب إنه «ٱلْقَيُّومُ إِلَى ٱلأَبَدِ» (دانيال 6: 26)، وعن الابن إنه «الأزلي والأول والآخِر» (رؤيا 1: 8)، وعن الروح القدس إنه «أزلي» كذلك (عبرانيين 9: 14).
وحدانيتهم في عدم التحيّز بمكان أو زمان: قال الوحي عن الآب إن له الكل، وإنه على الكل، وبالكل، وفي كل المؤمنين (أفسس 4: 6)، وعن الابن إنه يوجد في كل مكان يجتمع فيه المؤمنون باسمه للعبادة والصلاة (متى 18: 20)، وعن الروح القدس إنه لا يحدّه حد ولا يدركه قياس (إشعياء 40: 13). أي أن كلّا منهم لا يتحيز بحيز.
وحدانيتهم في خاصية الحياة: قال الوحي عن الآب إنه الحي (يوحنا 6: 57)، وعن الابن إنه الحي (رؤيا 1: 18)، وعن الروح القدس إنه الحي أيضاً (2 كورنثوس 3: 3).
وحدانيتهم في الاستحقاق لقبول العبادة والسجود: قال الوحي عن الآب إن الساجدين الحقيقيين يسجدون له بالروح والحق (يوحنا 4: 20)، وعن الابن إنه هو الذي تعبده كل الشعوب وتسجد له (فيلبي 2: 10)، وعن «اللّه» بأقانيمه الثلاثة إنه هو الذي له وحده يُقدَّم السجود (يوحنا 4: 24)، وعن الروح القدس إنه هو العامل في المؤمنين لتقديم السجود الحقيقي للّه (رومية 8: 26).
وحدانيتهم في صفات اللاهوت الخاصة: قال الوحي عن الآب إنه القدوس (يوحنا 17: 11)، وعن الابن إنه القدوس (لوقا 1: 35)، وعن الروح القدس إنه روح القداسة (رومية 1: 4). وعن الآب إنه الحق (يوحنا 17: 17)، وعن الابن إنه الحق (يوحنا 14: 6)، وعن الروح القدس إنه الحق (يوحنا 15: 26). وعن الآب إنه القادر (عبرانيين 5: 7)، وعن الابن إنه القدير (إشعياء 9: 6)، وعن الروح القدس إنه روح القدرة (2تيموثاوس 1: 7). وعن الآب إنه المحب (يوحنا 16: 27)، وعن الابن إنه المحب (يوحنا 16: 27)، وعن الروح القدس إنه روح المحبة (2تيموثاوس 1: 7). وعن الآب إنه يعلم أصغر الأمور (متى 6: 26)، وعن الابن إنه يعلم الجميع (يوحنا 2: 24)، وعن الروح القدس إنه يعلم كل شيء في السموات وعلى الأرض (1كورنثوس 2: 10).

فإذا جاز لنا أن نشبّه اللاهوت بدائرة لا حد لها، فإن كلا من الآب والابن والروح القدس، مع أقنوميته الخاصة، يكون تعيُّن هذه الدائرة، لأنه لا فرق بين أحدهم والآخر في الجوهر إطلاقاً.


وحدانية الأقانيم في أعمال اللاهوت وتصرفاته

وحدتهم في إبداع الخليقة: قال الوحي إن اللّه خلقها بالابن (عبرانيين 1: 2)، وإنها خُلقت بالكلمة (يوحنا 1: 3)، وبالروح القدس (مزمور 33: 6)، وإن اللّه (بأقانيمه الثلاثة) قد خلقها (تكوين 1: 1).
وحدتهم في إرسال «الابن» : قال الوحي إن الآب أرسل الابن إلى العالم (يوحنا 5: 37)، وإن الابن جاء من تلقاء ذاته إليه (1تيموثاوس 1: 15)، وإن الروح القدس أرسله (إشعياء 48: 16).
وحدتهم في عمل الفداء: قال الوحي إن اللّه بذل ابنه (يوحنا 3: 16). وإن الابن بذل نفسه (يوحنا 10: 11)، وإنه بالروح الأزلي قدم نفسه أو بذلها (عبرانيين 9: 14).
وحدتهم في إقامة المسيح من بين الأموات: قال الوحي إن اللّه أقامه (أعمال 2: 24)، وإن المسيح قام بنفسه (مرقس 16: 6)، وإن الروح القدس أقامه (رومية 8: 11).
وحدتهم في العمل لأجل خلاصنا: قال الوحي إن الآب يجتذب الخطاة إلى المسيح (يوحنا 6: 44)، وإن المسيح يطهرهم ويجعلهم أهلاً للاقتراب إلى اللّه (1يوحنا 1: 7)، وإن الروح القدس يسكن فيهم بعد ذلك، ليقدّرهم على السلوك في المستوى السامي الذي يتناسب مع علاقتهم الجديدة باللّه (1بطرس 1: 2).
وحدتهم في الوجود معنا: قال الوحي إن الابن يوجد مع المؤمنين في كل حين (متى 28: 20)، وإنه والآب يسكنان معهم (يوحنا 14: 23)، وإن الروح القدس يحل في قلوبهم ويسكن فيها (1كورنثوس 6: 19).
وحدتهم في إرسال الروح القدس: قال الوحي إن الآب أرسل الروح القدس (يوحنا 14: 26)، وإن المسيح أرسله (يوحنا 15: 26)، وإن الروح القدس حلَّ من تلقاء ذاته (أعمال 2: 2-4).
وحدتهم في إعلان أحدهم للآخر: قال الوحي إن الآب يعلن الابن للمؤمنين (متى 16: 17)، وإن الابن يعلن ذاته لهم ويعلن الآب أيضاً لهم (لوقا 10: 22، يوحنا 14: 21)، وإن الروح القدس يأخذ مما للابن ويخبرهم (يوحنا 16: 14، 15)، وبذلك فإنه يعلنه لهم أو يعرّفهم به.

ولذلك قيل بالوحي إنه لا يستطيع أحد أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس (1كورنثوس 12: 3)، ولا يستطيع أحد أن يُقبِل إلى الابن إلا إذا اجتذبه الآب أولاً (يوحنا 6: 44)، ولا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلا بواسطة الابن والروح القدس (يوحنا 14: 16، 17، 16: 8، 4: 23، 24)، ولا يستطيع أحد أن يتمتع بالروح القدس إلا بواسطة الآب والابن (لوقا 11: 11-13، يوحنا 16: 7-16).
وحدتهم في عمل المعجزات: قال الوحي إن الآب الحال في الابن كان يعملها (يوحنا 14: 10)، وإن الابن كان يعملها بإرادته الشخصية (متى 8: 3)، وإن الروح القدس كان هو العامل في إجرائها (متى12: 28).
وحدتهم في جميع الأعمال والأقوال: قال الوحي إنه مهما عمل الآب يعمل الابن أيضاً (يوحنا 5: 17)، وإن الابن لا يعمل من ذاته شيئاً، بل كما يرى الآب يعمل (يوحنا 5: 19)، وإن الآب يحب الابن، ويريه كل شيء (يوحنا 5: 20)، وإن جميع أمور اللّه يعرفها روح اللّه (1كورنثوس 2: 10، 11)، كما أنه لا يتكلم من ذاته بل كما يسمع يتكلم (يوحنا 16: 13-15).

وطبعاً إن عدم قيام أقنوم بالعمل مستقلاً عن الأقنومين الآخرين، ليس معناه عجزه عن القيام به بمفرده، بل معناه وحدته الكاملة معهما في القيام به، وذلك لوحدة جوهرهم.
مما تقدم يتضح لنا أن الأقانيم واحد في اللاهوت بكل خصائصه وصفاته، وأنهم مع قيام كل منهم بعمل خاص، متحدون اتحاداً تاماً في جميع الأعمال والتصرفات،



الأدلة على صدق شهادة الإنجيل


فضلاً عن الآيات السابق ذكرها المكتوبة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فهناك أدلة عقلية تثبت هذه الحقيقة، نذكر منها ما يلي:

بما أن الذين كتبوا هذه الآيات، لم يكونوا من الوثنيين الذين يؤمنون بتعدد الآلهة، بل من الأنبياء والرسل الذين يؤمنون أن لا إله إلا اللّه، وأن الإشراك به جريمة تستحق الرجم في الحال (تثنية 13: 10)، فمن المؤكد أنهم لم ينقلوا الآيات المذكورة عن الوثنية، أو عن تصوراتهم الشخصية، بل تلقوها من اللّه رأساً كإعلان تفصيلي عن ذاته.
بما أن هؤلاء الرسل والأنبياء، كان يختلف بعضهم عن البعض الآخر في النشأة والثقافة والطباع والسن والمهنة والعقيدة، وفي زمن الوجود على الأرض أيضاً (إذ كان بينهم الغني والفقير، والفيلسوف ومحدود التعليم، والمدقق والساذج، والشيخ والشاب، والطبيب وصياد السمك، كما كان بينهم اليهودي والمسيحي، ومن عاش قبل الميلاد بمئات السنين ومن عاش بعده بعشرات منها)، وعلى الرغم من هذه الاختلافات التي لا تسمح لأمثالهم بالاتفاق على عقيدة ما، اجتمعت كلمتهم على أن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة (هذه العقيدة التي تُعتبر في الواقع أدق العقائد الدينية وأبعدها عن التصورات البشرية) إذن فلا مجال للظن بأنهم اتفقوا فيما بينهم على ابتداعها، بل من المؤكد أن كلاً منهم قد تلقاها بوحي من اللّه، لأن وحيه واحد لجميع رسله وأنبيائه، على اختلاف ظروفهم وأحوالهم.
وبما أن هذه الآيات لا ترد في أماكن معينة من الكتاب المقدس، بل في أماكن متفرقة منه، الأمر الذي لا يُعرف بسببه لاهوت كل أقنوم ووحدة الأقانيم معاً إلا بدراسة مئات من الصفحات فيه ومقابلة بعضها بالبعض الآخر، كما أنها لا ترد مصحوبة بأية إشارة لتوجيه النظر إليها بصفة خاصة، بل ترد في سياق الكلام العادي وفي حالة التوافق التام معه، إذن ليس هناك مجال للظن بأن بعض الناس قد أدخلها في الكتاب المقدس لأي غرض من الأغراض الشخصية، بل أنهم هم الذين قاموا بتسجيلها في الأوقات والمناسبات التي كان يوحى بها إليهم فيها، دون أن يكون لهم أي تدخل في موضوعها أو أسلوبها

عقيدة التثليث

اللّه (أو اللاهوت) لا شريك له ولا تركيب فيه، لكنه يتميّز عن كل الموجودات بأنه مع وحدانيته وعدم وجود تركيب فيه، ليس أقنوماً واحداً بل ثلاثة أقانيم.
ليس الأقانيم ثلاث ذوات في اللّه، لأن اللّه (أو اللاهوت) ذات واحدة، وليسوا ثلاثة مظاهر له لأنه في ذاته ليست له مظاهر، وليسوا ثلاثة أجزاء فيه، لأنه لا تركيب فيه بل هم تعيُّنه أو عين ذاته.
وإن كان كل أقنوم غير الآخر، لكن نظراً لأنهم تعيُّن اللاهوت، أو بتعبير آخر لأنهم هم اللّه بعينه (لأن اللاهوت ليس شيئاً سوى اللّه)، فإنهم واحد في كل الصفات والخصائص، ولا انفصال لأحدهم عن الآخر على الاطلاق. فمنذ الأزل الذي لا بدء له إلى الأبد الذي لا نهاية له، اللّه هو «الآب والابن والروح القدس»، و «الآب والابن والروح القدس» هم اللّه الواحد.
إن معاني أسماء الأقانيم ليست المعاني الحرفية أو المجازية المستعملة لدى البشر، بل المعاني الروحية الإلهية التي تتوافق مع وحدانية اللّه وتفرده باللاهوت والأزلية، وعدم التعرض للتغيُّر أو التطوُّر. والغرض الوحيد منها هو الإعلان عن أنه تعالى مُستغنٍ بذاته عن كل شيء سواها. فنسبة «الآب» في اللاهوت تدل على المحبة الباطنية فيه، ونسبة «الابن» في اللاهوت تدل على المحبة الظاهرة فيه، ونسبة «الروح القدس» تدل على المحبة المتبادلة العاملة فيه، منذ الأزل الذي لا بدء له

الأدلة على صدق عقيدة التثليث
أولاً - الأدلة العقلية

لو كانت وحدانية اللّه وحدانية مجردة، لما كان له وجود حقيقي، وتبعاً لذلك لما كان هو الخالق للعالم، بل لكان هو عين العالم، أو لكان العالم قد وُجد من تلقاء ذاته، لأن الوحدانية المجردة هي وحدانية خيالية أو وهمية، لا عمل لها ولا وجود، فهي والنقطة الهندسية سواء من هذه الناحية.
لو كانت وحدانية اللّه وحدانية مطلقة، لما اتَّصف أزلاً بصفات الإرادة والعلم والمحبة وغيرها، وتبعاً لذلك لكان العالم إما أزلياً معه، أو مخلوقاً بواسطة كائن غيره. ولو كان اللّه هو الخالق له، لما كان قد خلقه دون صدور انبثاق منه تعالى، أو حدوث تطور في ذاته. وفي كلتا الحالتين يكون الخلق أمراً ضرورياً، لجأ إليه تعالى ليظهر ذاته وصفاته، وكل ذلك لا يتوافق مع كماله بأي وجه من الوجوه.
لذلك فإن الوحدانية الجامعة المانعة هي وحدها التي تليق باللّه، لأن بها تكون له ذاتية خاصة، ويكون متصفاً بكل الصفات الإيجابية اللائقة بكماله، وتكون هذه الصفات ليس بالقوة بل بالفعل، وبالفعل منذ الأزل الذي لا بدء له، ولذلك لا يكون هناك اعتراض على أنه هو الخالق للعالم، ولا يكون بخلقه إياه قد تعرض للتطور أو التغيُّر، ولا يكون قد جدّ عليه جديد عند دخوله في علاقة معه، وفي الوقت نفسه لا يكون قد لجأ إلى الخلق لإظهار ذاته أو صفاته، بل يكون الخلق قد حدث كنتيجة طبيعية لعمل صفاته الأزلي بينه وبين ذاته.
شهد معظم الفلاسفة الذين اشتغلوا بالبحث في ذات اللّه (في الوثنية واليهودية والمسيحية والإسلام) أن وحدانيته تعالى جامعة مانعة. وتدل جميع القرائن على أن شهادتهم صادقة كل الصدق.
إن جميع الاعتراضات الفلسفية أو العقلية الموجَّهة ضد التثليث، لا نصيب لها من الصواب إطلاقاً.

ثانياً - الأدلة الدينية والتاريخية

شهدت التوراة التي بُدئ في كتابتها قبل ظهور المسيحية بألف سنة تقريباً أن وحدانية اللّه جامعة مانعة، وأن هذه الجامعية هي ثلاثة لا أكثر ولا أقل. وأن الإنجيل الذي أتى بعد التوراة قد شهد أيضاً بهذه الحقيقة بكل وضوح وجلاء. وتدل جميع القرائن على أن شهادتيهما صادقة كل الصدق.
ذكر القرآن في كثير من آياته (مع اختلافه عن الكتاب المقدس في موضوعات كثيرة) أن اللّه يتَّصف بصفات ويقوم بأعمال وأنه ذو علاقات. وهذه لا تتناسب مع اللّه إلا إذا كانت وحدانيته جامعة مانعة، أو بحسب الاصطلاح المسيحي، إلا إذا كان تعالى أقانيم، وليس أقنوماً واحداً.
تشهد جميع المؤلفات الدينية والتاريخية التي كُتبت في القرن المسيحي الأول والقرون التالية له، أن عقيدة التثليث أصلية في الكتاب المقدس، ولذلك لا سبيل إلى الظن بأنه قد ابتدعها قوم من الأقوام.

الرب يبارككم

 

 

اشترك معنا

اشترك معنا عن طريق البريد الالكتروني

* indicates required

مواقعنا

قناة ينابيع المحبة


مواقع تفسير الكتاب المقدس
-------------------------

موقع تفسير الكتاب المقدس

تفسير الكتاب المقدس للاب بولس فغالي

تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب

تفسير الكتاب المقدس للقس انطونيوس فكري


الاقسام المسيحية
---------------

موقع اللاهوت المسيحاني

موقع التلمذة المسيحية

موقع مسيحي دوت كوم

موقع الكتاب المقدس

موقع مريم العذراء

موقع ترانيم

موقع صلوات مسيحية

موقع روحيات

موقع الافلام المسيحية

موقع الشباب المسيحي

موقع الكنيسة الالكترونية

موقع وعظات وقصص وتاملات يومية

موقع كرازة

موقع حياة القديسين


مواقع مشتركة
-------------

مدونة الاخ محمد وجدي

موقع مقالات

موقع حراس العقيدة

موقع اسئلة الناس

موقع متنصرون بلا حدود

موقع الحق والضلال

موقع دراسات مسيحية و اسلامية

موقع كتب مسيحية واسلامية


فديوهات قناة الحياة
-----------------

موقع ليكن نور

موقع سؤال جريء

موقع الدليل

موقع بلا حدود

موقع كشف القناع

موقع سؤال جريء

موقع شبهات و ردود

موقع معجزات المسيح


الاقسام الاسلامية
----------------

موقع القران

موقع رسول الاسلام

موقع الاسلام

موقع اسلاميات


مواقع عامة
-----------

موقع حوارات و نقاشات 

موقع مسيحي تيوب

موقع الاخبار المسيحية

موقع الخدمات المسيحية

دليل المواقع المسيحية

موقع الكومبيوتر

موقع استضافة المواقع المسيحية

موقع القنوات الاخبارية

My Tech Blog

-------------

اهم الروابط في الموقع

الانجيل المسموع اونلاين

الكتاب المقدس المسموع والمقروء

مشاهدة قناة نور سات

مشاهدة قناة نور الشباب

مشاهدة قناة الطريق

مشاهدة قناة الكرمة

مشاهدة قناة الحياة

مشاهدة قناة الفادي

طلبات الصلوات المسيحية

تسجيل الحضور اليومي باية من الكتاب المقدس

القران الكريم

رسالة الى كل مسيحي

رسالة الى كل مسلم

الاشتراك معنا

التبرع للموقع